جريدة مرايا

الحقيقة كما يجب

تركيا أردوجان تبحث عن تحالف شرق أوسطى جديد.

متابعة /أيمن بحر

اللواء رضا يعقوب المحلل الاستراتيجي والخبير الأمني ومكافحة الإرهاب ما سر سعى تركيا للتقارب مع منافسيها فى الشرق الأوسط؟ تريد تركيا تحسين علاقاتها مع الدول المنافسة لها فى الشرق الأوسط وعلى رأسها الإمارات ومصر وإسرائيل. يرى مراقبون أن هناك جملة متغيرات جيوستراتيجية تدفع أنقرة لتحسين علاقاتها مع منافسيها الذين رحبوا بالتقارب التركى.
هناك حاجة ماسة للمحادثات بين تركيا والإمارات، فبعد أيام قليلة من زيارة ولى عهد أبو ظبى محمد بن زايد آل نهيان لأنقرة الأسبوع الماضى، واصل محادثاته مع الرئيس التركى رجب طيب أردوغان. وذكرت صحيفة ديلى صباح التركية أن الزعيمين ناقشا خطوات لتحسين العلاقات بين بلديهما.
ووقع الزعيمان الأسبوع الماضى عدة خطابات نوايا للإستثمارات فى مجالات الطاقة والتمويل والصحة. فى الوقت نفسه، ووفقاً لتقارير صحفية، أصبح معروفاً أن الإمارات العربية المتحدة قد أنشأت صندوقاً بقيمة عشرة مليارات دولار (8,38 مليار يورو) لدعم الإستثمارات فى تركيا المضطربة إقتصادياً.
فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، عزلت تركيا نفسها فى الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة، كما يقول كريستيان براكيل، مدير مكتب إسطنبول لمؤسسة هاينريش بول الألمانية. وعلى وجه الخصوص بعد 2011، عام “الربيع العربى”، وكانت تعتبر تركيا، الى جانب المملكة العربية السعودية، إحدى القوى المركزية فى المنطقة. وذلك إستناداً الى دعم تركيا المتفانى للحركات الدينية ذات الأهداف الاجتماعية الثورية مثل جماعة الإخوان فى مصر. “ولكن بعد ذلك كانت هناك نهضة سلطوية تم خلالها كبح العديد من الثوار المدعومين من تركيا، الذين غالباً ما كانوا ناشطين إسلاميين”. وقد أجبر ذلك أنقرة على التوصل الى تفاهم مع الأنظمة المحافظة، على سبيل المثال فى منطقة الخليج وشبه الجزيرة العربية.
يتزامن الحوار التركى الإماراتى مع فترة تقارب عام فى الشرق الأوسط، حسبما كتبت فى تعليقها صحيفة ديلى صباح التركية المقربة من الحكومة. وصحيح أنه من غير الواقعى توقع حل الدولتين لجميع خلافاتهما على الفور، لكن الصحيفة التركية قالت إن المصالح الإقتصادية المشتركة قد تشجع المفاوضات بشأن الأزمات الإقليمية، وتضيف فى تعليقها: “يتناول هذا الفصل الجديد المنافسة المتزامنة والتعاون بين تركيا والإمارات فى مناطق مثل شرق البحر الأبيض المتوسط واليونان وليبيا والقرن الأفريقى”. وسيؤدى هذا التطور حتماً الى نوع جديد من العلاقة.
وما جمع الإمارات وتركيا سوية هو خيبة الأمل العسكرية لهما فى السنوات الأخيرة. ويقول أستاذ العلوم السياسية حقى تاش من معهد لايبنيتس للدراسات العالمية والإقليمية (GIGA) فى هامبورغ: “أظهر الطرفان أنهما على قدر كبير من الثقة بالنفس عندما يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية”. ويضيف: “فى عدة نزاعات، من سوريا الى اليمن الى ليبيا، وقفا على طرفى نقيض. لن يتم حل هذه النزاعات فى المستقبل المنظور. ومع ذلك، فإن العبء السياسى والإقتصادى المتسببان به يتزايد بإطراد”.
بالإضافة الى ذلك، وبحسب تاش، ردت الإمارات على الإنسحاب الأمريكى من المنطقة بالإقتراب من تركيا. تماماً مثل المملكة العربية السعودية، أرادت الإمارات ملء فراغ السلطة بحلفاء جدد. وأحد الشركاء المحتملين هى تركيا أيضاً.
لكن تركيا لا تريد إقامة علاقات جديدة مع الإمارات فقط، إذ أشار الرئيس التركى رجب طيب أردوغان يوم الإثنين (29 تشرين الثانى/نوفمبر 2021) الى إنه يريد تحسين العلاقات مع إسرائيل أيضاً؛ وقال “مثلما تم إتخاذ خطوة بيننا وبين الإمارات العربية المتحدة، سنتخذ خطوات مماثلة مع الدول الأخرى”. وكان البيان موجهاً بشكل خاص الى إسرائيل ومصر. كما أجرى أردوغان محادثات مع ممثلين عن إسرائيل فى تشرين الثانى/ نوفمبر الفائت. ثم أطلقت تركيا سراح الزوجين الإسرائيليين موردى وناتالى أوكنين، وكان الإثنان قد صورا مسكناً رسمياً لأردوغان فى إسطنبول، فاحتُجزا لمدة ثمانية أيام بتهمة التجسس.
بعد علاقات وثيقة طويلة الأمد بين إسرائيل وتركيا، تدهورت العلاقات بينهما فى عام 2010 عندما أوقفت البحرية الإسرائيلية سفينة المساعدات التركية “مافى مرمرة” التى كانت متوجهة الى قطاع غزة المحاصر آنذاك. وقتل عشرة نشطاء على متن السفينة خلال العملية. ثم سحب كلا البلدين مبعوثيهما الدبلوماسيين.
وبغض النظر عن العلاقات السياسية المتجمدة، نما التبادل الإقتصادى بين البلدين بشكل مستمر فى السنوات الأخيرة، كما يقول كريستيان براكيل. من ناحية أخرى، تريد تركيا تقليل إعتمادها فى مجال الطاقة على روسيا. بالإضافة الى ذلك، يرى المرء فى أنقرة إسرائيل كدولة أساسية فى الصراع على إحتياطيات الغاز فى شرق البحر المتوسط. ففى هذا النزاع، تواجه تركيا المصالح المشتركة لليونان وقبرص ومصر وإسرائيل.
بالإضافة الى ذلك، تدرك تركيا ضرورة إصلاح العلاقات مع إسرائيل أولاً من أجل تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة، كما يقول حقى تاش، ويضيف: “فى الوقت الذى يتم فيه فى وسائل الإعلام الغربية تداول سيناريوهات الفترة التى ستعقب أردوغان، يبدو أنه يريد التركيز على تخفيف حدة التوتر فى العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبى وكذلك مع القوى الإقليمية فى الشرق الأوسط”.
تحاول تركيا أيضاً تحسين العلاقات مع مصر. وكان وفد تركى رفيع المستوى قد وصل بالفعل الى القاهرة لإجراء محادثات فى أيار/ مايو من هذا العام. منذ ذلك الحين، ظل الجانبان فى حوار مستمر مع بعضهما البعض.
وكانت العلاقات بين البلدين “شديدة البرودة” على مر السنين الماضية. وبدأ الإستياء فى عام 2013 عندما أطاح الشعب المصرى بجماعة الإخوان، وإنصاع الجيش للشعب. كانت الإخوان مدعومة من أردوغان. وحزب أردوغان، العدالة والتنمية مقرب سياسياً من جماعة الإخوان.
لكن من وجهة نظر أنقرة، فإن القضية الرئيسية بين البلدين هى الخلاف على إحتياطيات الغاز فى البحر الأبيض المتوسط. يقول كريستيان براكيل: “يرتبط هذا الصراع إرتباطاً وثيقاً بانخراط أنقرة فى ليبيا، حيث توجد تركيا ومصر على جانبين متعارضين”. فى الواقع، حاولت تركيا مراراً وتكراراً إستخدام وجودها فى ليبيا لوضع نفسها فى موقع أفضل فى نزاع الغاز، على سبيل المثال من خلال إقتراح الإتفاق على مناطق السيادة الثنائية فى البحر المتوسط. ومع ذلك، فشلت هذه المقترحات.
ويقول براكيل لكن يبدو الآن أن تركيا تريد الإقتراب من مصر. حتى الآن، لم يتمكن الطرفان من التوصل الى إتفاق بشأن ليبيا. لكن هذا يمكن أن يتغير الآن”. بالإضافة الى ذلك، ترتبط مصر حالياً سياسياً بشكل كبير على المملكة العربية السعودية، كما يقول حقى تاش، ويضيف: “في ضوء ذلك يجب أن تكون مصر مهتمة جداً أيضاً بالإنفتاح على تركيا”. الآن يريد كلا البلدين إعادة فتح سفاراتهما. وهذا، حسب تاش، إشارة رمزية لتحسين العلاقات الثنائية. ومع ذلك، لا ينبغى للمرء توقع التطبيع الكامل بين البلدين.

حول كاتب البريد