جريدة مرايا

الحقيقة كما يجب

عمر الشريف يكتب: هيا نحلق كالعصافير

يجلس وحيداً بجوار باب الإسطبل، يحاصره القش ورائحة الروث من كل جانب، من وقت إلى آخر تمد الخيول أعناقها فتتخطى رؤوسها الحواجز الخشبية القصيرة، وترمقه بنظرة استهجان، على ما يبدو أنها تعتقد أنه سجان غليظ، وهو يتمنى أن تعلم أنه مثلها تماماً لا يملك من أمره شيئاً، فهو كان لاعباً استعراضياً للأكروبات بالسيرك فيما مضى، أما الآن مجرد حارس، يقبع في اسطبل ككومة قش مهملة، حارس تعتصره الذكريات، وتضيق نفسه بالضجر.

لقد حاصره صاحب الإسطبل بقائمة طويلة من المحظورات مخافةً من اشتعال الحرائق، فالتدخين ممنوع بتاتاً حفاظاً على أرواح الخيول، لأن المكان مكتظ بالقش الجاف، فوجد نفسه مجبراً على قبول هذا الشرط رغم كونه مدخناً شرهاً، وكان عليه أن يرضخ لجميع شروطه، فبعد أن طرده صاحب السيرك، ضاقت عليه الدنيا بما رحبت، إلى أن أنقذه هذا العمل من التشرد.

يحرس الإسطبل طوال الليل، ومع بشائر الصباح يحضر السائس فيفطران معاً، ثم يتوجه إلى غرفة ضيقة، تبعد عن حظائر الخيول مسافة خمسمائة متر، يجتازها بكل ما تبقى في جسده من قوة، حتى يتمكن من التدخين والنوم بعد سهر مرير وحرمان أشد مرارة.

طرده صاحب السيرك فأصبح مشرداً بلا سكن، لقد كان السيرك المتنقل بيته، و كان لاعبو السيرك أهله.

هو الآن مسن ظهره محني، تهاجمه آلام المفاصل المبرحة صباح مساء، لكن في شبابه كان رشيقاً عفياً يتنقل بخفة ورشاقة، يملأ جنبات السيرك بالحركة والمرح، ما إن يراه المتفرجون حتى يضج المسرح بالتصفيق، كان الآباء يحضرون برفقة أطفالهم لرؤيته على وجه الخصوص، وكان المعجبون يقدمون إليه الزهور بعد كل عرض، وكانت الإيرادات تزداد يوماً بعد يوم، وكان مالك السيرك يعامله وقتئذ بلطف واحترام زائدين.

استوطنت الأحزان قلبه منذ تلك الليلة البعيدة، التي لم تغب عن ذاكرته يوماً، عصفورته كانت تسير على الحبل، بارعة في أداء الاكروبات (الاستعراضات)، هو من دربها فأحبها ولم يغرم بسواها، أحبها أكثر وأكبر من أي وكل شيء، وهي كذلك أحبته كثيراً، وكانا يقضيان أجمل اوقاتهم سواء في التدريبات أو العروض أو قبلها وبعدها، واتفقا على الزواج.

لا يزال يتذكر تلك الليلة البعيدة، وأخر عرض لهما معاً، كانت عيناها ملتمعتن، وخداها متوردين.. ابتسمت ثم هرولت إلى الفقرة التي أعلن عنها مكبر الصوت، بدأا فقرتهما وأصوات التصفيق تعلو مع كل حركة يؤديانها أو قفزة يقومان بها، ثم كان المشهد الرهيب، تؤديه وهي في الاعلى لتهوي بالحبل للأسفل حيث يلتقطها بحركات مدروسة، سارت على الحبل المشدود في الأعلى، بينما تابعت الأعين خطواتها بخوف، تعثرت قدماها فجأة فهوت، في حين انحلت العقدة التي لم تحكم عصفورته شدها جيداً، وتأرجح حبل الأمان في الهواء بدونها، فشهق الجميع في آن واحد شهقات مزلزلة، كانت كفيلة بأن تُسكن الأحزان قلبه للأبد، وأن يموت بداخله كل شيء.

لطخت الدماء أجنحة عصفورته، فمرت السنوات ثقيلة، كان لزاماً عليه أن يعرض استعراضاته أمام رواد السيرك كل ليلة، رغم ما بقلبه من مرارة وألم، فيصفقون طويلاً بينما يبكي وحده في الكواليس المظلمة عقب كل عرض.

وكما تهرم الخيول هرم، ما عاد الجمهور يحب أن يشاهد استعراضياً عابساً ثقيل الحركة، وما عاد هو قادراً على إخفاء أوجاعه، وما عاد صاحب السيرك يتحمل وجوده.

فجأة نظر جيداً، يبدو أنه لم يعد وحيداً، فقد رآها تقبل من بعيد، وتدعوه إلى الانطلاق معها إلى خلاء يموج بالهواء الطلق، كي يقدمان عرضاً يحلقان به كالعصافير.

حول كاتب البريد