جريدة مرايا

الحقيقة كما يجب

عمر الشريف يكتب: عريس من جهة إنساني

كنت في مدينة نيودلهي عاصمة الهند، فقررت الذهاب لمدينة اخرى لزيارة مبنى تاج محل، وكانت وسيلة المواصلات هي القطار الذي كان فاخراً ونظيفاً، والقُمرة التي سافرت عليها كانت غرفة نوم جيدة ملحق بها حمام خاص، وعربة الطعام كانت مطعماً حقيقياً، ملحق بها باراً وصالة.

حين وصلت خرجة من محطة القطارات لأستقل تاكسي، فوجدت
التكاتك يطلق عليها تاكسي، تحدثت مع سائق التوكتوك بالانجليزية وسألته عن فندق قريب ورخيص، فقال لي هناك منزل قريب صاحبته تؤجر غرفاً للمسافرين، لم أمانع هززت رأسي مبتسماً، فابتسم سائق التوكتوك ومضى بي.

وصلنا إلى منزل من طابقين في شارع نظيف، طرق السائق الباب فخرجت سيدة كأنها قفزت من لوحة فنية، بشرتها بُنية كلون الطوب الأحمر، وترتدي ساري مزركشاً، رحبت بنا كأننا هدية من السماء، وتحدث معها السائق باللغة الهندية، وبعد نقاشه معها قال لي: الغرفة والحمام ووجبتي الإفطار والعشاء ثلاثة دولارات فقط، فأخرجت ورقة بعشرة دولارات ومنحتها للسيدة التي لم أستطيع نطق اسمها فسميتها السيدة صاحبة البيت، وقلت لسائق التوكتوك أن يخبرها اني سأستأجر الغرفة ليومين فقط والباقي اكرامية لها.

دخلت المنزل النظيف جداً، لكن كانت تعبقه رائحة توابل الأكل الهندي، أعددت الحمام ثم بعد الحمام أعددت العشاء وقدمت لي طبقاً من الرز واللحم بالكاري، وخبزاً هندياً ساخناً يشبه الفطير المشلتت، وبعد أن أكلت قدمت لي شراباً في كوب فاخر، وجلسنا نتسامر لكن بالإشارة؛ لأنني لا أعرف الهندية وهي لا تعرف الانجليزية، ثم كانت مفاجأة الليلة عندما جاءت ابنتها، فهي شابة قدرت أنها في بداية عشريناتها، جميلة الوجه ممشوقة القوام ذات شعر طويل، كانت حسناء جداً، عَرَفتها أمها عليّ وتحدثت معي بانجليزية جيدة، كان اسمها “راتاريا” أو كان هذا أقرب نطق، راتاريا كانت حزينة، فسألتها عن سبب حزنها؟ فقالت لي: والدها طليق أمها يريد تزويجها من “مهراجا” رجل أعمال مشبوه كبير في السن، والمزري أنها وجدت نفسها ثمن إنقاذ والدها من السجن بسبب ديونه، فتساءلت الأم عن شدة حديثنا فحكت لها راتاريا، هنا انفجرت الأم غاضبة وأخذت تتكلم بصوت مرتفع، قالت لي راتاريا: إنها تشتم أبي طليقها الذي هو مدمن قمار وخمر، وأن السجن أفضل له بدلاً من تدمير حياتنا، وبقيت مع الأم وابنتها نتحدث حتى الساعات الأولى من الصباح، قامت الأم إلى المطبخ لتخبز فطائر الافطار وتعد المائدة، بقيت مع راتاريا التي قالت لي لا بد أنك مرهق، تَمَدد ولتغفوا قليلاً وسأوقظك للإفطار.

كان الضوء خافتاً والجدران مزينة بصور عائلية وبوسترات واحدة منها غلاف مجلة قديمة يظهر فيها النجم الهندي “شاروخان” ثم مكتبة صغيرة، غلبني النعاس لكنني استيقظت على ضوضاء في غرفة المعيشة، كانت الأم وابنتها تصرخان وهناك صوت رجل ثمل (سكران)، تمكنت من سماع صوته بالكاد، ثم اقتحم الرجل المكان وهو يشهر سكين مطبخ كبيرة، ووقف أمامي يصرخ بأعلى صوته ولم أفهم كلمة واحدة، كانت رائحته مقززة وملابسه عليها بقع من بقايا طعام، كان في حالة يرثى لها، مخموراً وقذر الجسد واللسان، أتى ليأخذ راتاريا لعريسها رجل الأعمال المشبوه كبير السن، كان ضئيل الحجم فلم أخف منه، وقفت وأخذت السكين منه وأخرجته لخارج المنزل.

هنا تفتق ذهن الأم عن حيلة جهنمية؛ سألتني قائلة لي عبر راتاريا لما لا أتزوجها أنا زواجاً صورياً ثم تسافر معي إلى نيودلهي حيث يمكنها أن تعيش حياتها وتكمل دراستها، فوجئت بالطلب لكن هناك مواقف في حياة الإنسان لا بد له أن يتصرف بتلقائية وحسب ما تمليه عليه الظروف فأنتظرت صامتاً لأفكر، كنت أريد الذهاب لتاج محل لأزور المكان وأتعرف على تفاصيله، لكن احساس السائح تبخر وحل محله احساس بالمسؤولية تجاه راتاريا وأمها الطيبة، نظرت للأم ولم أستطع التحدث معها، لكن نظرة واحدة إلى عينيها المغرورقتين بالدموع أفهمتني كل شيء، هززت رأسي بالموافقة، احتضنتني بشدة وابتسامة عريضة على وجهها.

راتاريا تكلمت معي في التفاصيل وأن علينا الذهاب إلى عمدة المدينة لنسجل طلب الزواج ثم بعد يومين نتزوج ونغادر فوراً إلى نيودلهي، هناك أقارب لها يمكن أن يُدبروا كل شيء، سألتها كيف ستعيش؟ قالت لي: أمي عندها مبلغ ستعطيني إياه ويمكنني أن أعمل أي شيء، أنا أجيد الإنجليزية وفرص العمل في العاصمة أكثر من هذه المدينة، فانطلقنا إلى عمدة المدينة وسجلنا طلب الزواج.

في اليوم التالي ذهبنا في جولة في المدينة ثم زيارة إلى تاج محل ومحيطه، في اليوم الذي تلاه ذهبنا إلى العمدة حيث تزوجنا بدون تعقيدات، وسافرت معي راتاريا في رحلة العودة إلى نيودلهي، بكت الأم بحرقة في محطة القطار، وأهدتني قلادة قديمة جميلة النقوش من الفضة وعليها أحجار كريمة، راتاريا وصلت معي إلى نيودلهي واتصلت بقريبة لها تعيش وتعمل في نيودلهي، وتولت إجراءات نقض الزواج، ثم ودعتني راتاريا وهي تشكرني، مددت يدي لها واقتربت عيني من عينها، وضعت يديها الدافئتين حول وجنتي وقبّلتني، وسرى عطرها في كل كياني، وفجأة، أيقظني والدي لصلاة الفجر، فانتبهت أنه كان مجرد حلم وقلت لنفسي: ربما هذا من تأثير الفيلم الهندي الذي شاهدته قبل النوم، لكن لازلت أنتشى بعطرها، كنت عريساً لدواعي إنسانية.

حول كاتب البريد