جريدة مرايا

الحقيقة كما يجب

عمر الشريف يكتب: صاحبة الكرسي المتحرك

عمر الشريف يكتب: صاحبة الكرسي المتحرك
جدران غرفتها تئن ألماً، عنيفة هي حين يمتلكها اليأس، ماذا تفعل بنصف جسد أنهكه الألم والأمل؟!
روحها تريد الطيران وهو يكبلها بكرسي بائس من ثقل جسدها، لقد ملها وملته.
تُخاصم الجدران فيغمرها سقف الغرفة بالرضا ويبدي أساريره الفرحة فيتصالحا لهدنة مؤقتة، فينكشف السقف عن وجهٍ عبوس يتراءى لها وحشاً سينقض عليها وكأنها الفريسة الوحيدة بغابته.
تهرب إلى سريرها تحتضنه وتعانق وسادتها بقوة، تسقيها دمعها فترأف بحالها، تستمر هكذا أياماً وليالي متشبثة بهما، وكأنهما حضن أمها التي فارقتها حزناً حين لزمت كرسياً متحركاً من مرض داهمها على حين غرة، وحينما يتعب السرير ويملها، ينادي كرسيها المتحرك بصمت، وكأن هناك شفرة خاصة بينهما، فيقترب منها بحنان مفرط.
هو قدماها اللتان تلاشتا في ضمور رهيب، يقترب قليلاً يخبرها أنه اشتاق إليها وهي تتلو أدعيتها بابتهال وتضرع، يشتاق إلى رائحتها، إلى كتبها وقصصها ومجلاتها التي تتلوها عليه كرقية مقدسة، يمسك بيديها لتنهض من سريرها وبها بعض النشاط والتفاؤل،
تجلس عليه لايُعرف من منهم يحتضن الآخر بكل هذا العطف والحنان، يستمعان إلى أغاني زمن مضى، ويجوبان الغرفة الضيقة معاً، يراقصان بعضهم بهيام، فتعود الضحكة إلى شفاها، تتعب وتهدأ.
تقترب من مرآتها فيطالعها وجه ملائكي الملامح، لم يجرؤ العمر على الاقتراب منه، شعرها أسود كليل تزينه النجوم يطال الأرض لو أرخت ضفائره، أردت أن تنافس فتيات المجلات وتثبت أن الإعاقة لم تنل جمالها، اقتربت بحذر ففوجئت بالمرأة تطالعها بلا مبالاة، وكأنها تستجدي منها قصيدة غزلية، فرشاة شعرها تتأفف وكأنها ستعاقبها بالمرور في ليل خصلاتها، قلم أحمر الشفاه اشمأز منها، طلاء أظفارها رمقها بعصبية واضحة، فهو يعرف أنها ستزيله فوراً، ومصيره سلة القمامة.
عادت إلى الوراء قليلاً، إلى نافذتها لتسلم عليها وتستأذنها بأن تلقي نظرة إلى الشارع، لكن ضجيج أصوات الباعة جعلها تهرب إلى نافذتها الأخرى التي تطل على مقبرة المدينة، شعرت حينها بأنها معلقة بين الحياة والموت، دعت ربها بشغف المشتاق وحاجة المحروم ووجع المريض ويأس المقعد، اللهم إنك حرمتني من قدرتي على الحركة، لكنك لم تحرمني من الإيمان والأمل بك، وأرى طريقي مرسوماً بدقة إلى الحرية والسلام، إلى السعادة والجمال.

حول كاتب البريد