جريدة مرايا

الحقيقة كما يجب

عمر الشريف يكتب: العم بهاجيجو

العم بهاجيجو
هم زملاء يتلقون العلم في مدرسة مشهورة بصرامتها الشديدة إلى جانب جودة ما تقدمه من تعليم، في يوم ما أثناء حالة هرج ومرج في الفصل بين حصتين، دخل المشرف الإداري لكي يعيد إلى الفصل انضباطه ويلاحظ هياجاً غير عادي في صفوف الطلاب يثير حسه الأمني بحثاً عن الباعث عليه، ثم يشاء حظهم العاثر أن يلمح المشرف الارتباك في عيونهم فينقضّ عليهم ويضبطهم متلبسين بالنظر في مجلة عليها صور نساء عاريات.
جرى اقتيادهم إلى مكتب الناظر، الذي كانوا يرتعدون خوفاً لمجرد ذكر اسمه، وبعد فاصل من النظرات الغاضبة الثاقبة والتوبيخ وأسئلة التحقيق جاء قراره بفصلهم من المدرسة ثلاثة أيام.
كان هذا في منتصف اليوم الدراسي والذي كان ينتهي في الثانية ظهراً، وبعد خروجهم من المدرسة وتمالكهم لأعصابهم بعض الشيء، هدتتهم ذكاوتهم إلى الذهاب للنادي والتسكع لحين مجيء وقت عودتهم الطبيعي إلى المنزل، وكأن شيئاً لم يكن!
ما لم يتفتق عنه ذهنهم هو أن المدرسة اتصلت تليفونياً بمنازلهم وأبلغت أسرهم بما حدث، رغم امتناع المتحدث عن شرح سبب العقوبة، مكتفياً بالقول بأنهم ارتكبوا فعلاً جسيماً يستحيل الإفصاح عنه هاتفياً!
حين رجع زميلهم حسام إلى البيت وبراءة الأطفال في عينيه، وبعد بعض الأسئلة واجهته أمه بحقيقة معرفتها بما حدث، فإذا به ينهار أمامها معترفاً باكياً، ولكن الأم صَعدت الموضوع حين عودة والده السيد بهجت.
بعد أن هدأ بهجت من روع ابنه حسام، طلب أن يتصل بجميع زملائه الذين تم فصلهم وتحدث مع أولياء أمورهم، وطلب من التلاميذ أن يجتمعوا في منزله صباحاً.
في صباح اليوم التالي حضر زملاء حسام، لقنهم السيد بهجت درساً لن ينسوه: قلل تماماً من أهمية السبب الذي أدى إلى فصلهم من المدرسة ثلاثة أيام من جهة، لكنه من جهة أخرى صب عليهم غضبه؛ لأنهم كذبوا على أبائهم، مؤكداً لهم أن كل شيء يمكن التسامح معه إلا الكذب، الذي وصفه بأنه نقيصة كبرى في الشخصية، ودليل على الجبن وانعدام الأمانة والنزاهة، وأنه مفتاح الشرور كلها في هذه الدنيا!
لكن هذا لم يكن هو الدرس الوحيد في هذه المناسبة، بل اقتادهم إلى المدرسة وطلب مقابلة الناظر المخيف الذي أصر عند استقباله له على بقاء التلاميذ خارج المكتب.
وبعد نحو خمس دقائق مرت عليهم كالدهر، جرى استدعائهم لدخول المكتب، وتم ذلك بناءاً على إصرار السيد بهجت، كان خلال الدقائق الخمسة قد أبدى اعتراضه على العقوبة التي أنزلها الناظر بهم، وطلب منه تفسيراً لها، فقال الناظر إنهم ارتكبوا خطيئتين جسيمتين: الأولى هي نظرهم في صور المجلة المُخلة، والثانية هي إصرارهم على عدم الإفصاح عن هوية زميلهم الذي أتى بها إلى المدرسة.
هنا أصر الأب على دخولهم إلى المكتب، وقال للناظر أمامهم: أما عن الخطيئة الأولى، فإن ما فعلوه هو أمر طبيعي للغاية، فهم مراهقون، أما عن الخطيئة الثانية، وهنا علت نبرة السيد بهجت، فاسمح لي يا حضرت الناظر أن أقول إنني فخور بهم لأنهم رفضواْ أن يفتنواْ على زميلهم وصديقهم، واسمح لي أن ألاحظ أنكم تريدون تسخير الأبناء لطاعة السلطة، و تنشئة جيل جبان يمارس الغدر والوشاية؛ لكي ينجو بنفسه من العقاب، وأنا أدعوك بمنتهى القوة إلى إعادة النظر في هذا الأمر، وأؤكد مرة أخرى فخري بهم وبشجاعتهم وشهامتهم وحسن أخلاقهم.
لم يزد على انفراج أساريرهم و”انشكاحهم” في هذه اللحظة سوى دهشتهم إذ كان الناظر مستكيناً أمام سلامة منطق الأب، الذي سرعان ما أضاف لكي يعيد الأبناء إلى جادة الصواب أن خطيئتهم الحقيقية هي كذبهم على أولياء أمورهم، وأنه وبخهم بما يظن ويأمل أن فيه الكفاية على هذا، ويأمل في الوقت نفسه أن يعتدل ميزان القيم المقلوب في المدرسة!
فتم إلغاء قرار الفصل وعودة التلاميذ، والعيب في هذه الحكاية لا يتمثل في انتهاك بريء وطبيعي لأعراف السلوك السليم المحافظة، بل في الكذب الذي تورط فيه التلاميذ والحض على الوشاية الذي تورط فيه ناظر المدرسة مهيب الجانب!
كم أنت عظيم وجميل ونبيل ورقيق وقوي يا عم بهجت، كم أنت بهيج يا عم بهاجيجو.

حول كاتب البريد