جريدة مرايا

الحقيقة كما يجب

عمر الشريف يكتب: إني أتنفس تحت الماء

 

“لا تسبح بعيداً” كان ذلك هو صوت أمي القلقة قبل أن أعدو تجاه البحر تاركاً نظارتي بجانبها لتصبح الرؤية هلامية.

أرى السماء ملونة بدرجات من الأزرق الفاتح وفي المنتصف قرص أبيض به قليل من الأصفر يحرق عينيّ عند محاولة النظر إليه بتركيز لثوانٍ، أضحت الرمال طيناً تحت قدماي والمياه الباردة تداعبهما، أشعر برذاذ البحر البارد يداعب وجهي، أغوص تحت المياه التي تتحول سريعاً من البرودة إلى درجة حرارة جسمي، أشعر بحرارة الشمس على رأسي، أسير قليلاً متحسساً الحجارة والرمال بباطن قدميّ حتى أصير بلا طول أستند عليه، فأبدأ في السباحة ناظراً إلى الشمس المنتصفة في السماء.

أُفضل مطروح دائماً عن الإسكندرية، ربما لأنها صورة مصغرة من الأخيرة، لكن بلا زحام أو ضغط عصبي، ومع وجود بيوت بشاطئها الخاص صارت مطروح وجهتنا الأكثر لقضاء أجازة فصل الصيف، ألححنا على أبي كثيراً حتى يأتي معنا في هذه الأجازة، لكنه رفض كعادته متحججاً بظروف عمله.

صار الشاطئ بعيداً جداً وأضحت أسرتي نقاط متناهية الصغر، لقد تركتهم يجلسون هناك، أخي يستمع إلى الموسيقى وأختي الكبرى تقرأ رواية ما، وأختي الصغرى تلعب بألعابها “الجاروف والجردل..” وتصنع أشكالاً من الرمال الطينية.

أرى شخصاً آخر من بعيد يسبح، يبدو أنها فتاة لكن كيف دخلت إلى هنا وهذا شاطئ خاص؟ غاصت الفتاة التي كانت أمامي ولم أعد أراها تعود لسطح المياه منذ أكثر من دقيقة.. أين ذهبت؟

موجة ضخمة في طريقها إليّ، لم أستطع أن أملأ صدري بالهواء الكافي كي أغوص تحتها من المفاجأة، يهرب الهواء من صدري سريعاً، أغطس ولا أرى حولي سوى درجات اللون الأزرق يتخللها فقاعات، لقد فرغ صدري من الهواء، ويبدو أنني أغرق.

أفتح عيني بصعوبة تحت المياه لأرى وجه الفتاة التي كانت أمامي محدقة في وجهي، قبلتني قبلة الحياة، فشعرت أن بإمكاني الكلام والتنفس مرة أخرى، يبدو أن لديها قدرات خارقة، وقبل أن أتحدث وضعت يدها على فمي لألتزم الصمت، وأشارت بإصبعها إلى أن أغوص وراءها.

أرى نوراً ساطعاً من بعيد وسط ظلام البحر، تتراجع الفتاة لكي تسبح بجانبي، واندفعت أنا تجاهها، دخلت في دوامات متعددة، ثم تتوقف الدوامات فجأة، فأرى سمكة قرش تحاول التهامي، تأتي لحظة نتلامس أنا والفتاة فتضع يداها على صدري ثم تعطيني دفعة قوية، فأسبح بسرعة شديدة شاعراً بقوة أسنان مغروزة بجانبي، كأنها صخور ترغب في تكسيري، وألم الجروح يزداد مع سرعتي.

أفتح عيني لأجد نفسي طافياً على السطح، أشهق بشدة صارخاً وكأنها المرة الأولى التي أتنفس بها، تنظر لي الفتاة من بعيد، إنها لم تكن معي، ولم تقترب مني، لكن الألم كان مستمر في جانبي ولكن بدرجة أخف، أتحسس مكانه لأجد بعض الخدوش البسيطة.

أقتربت من الشاطئ وبدأت في الزحف بصعوبة على الرمال الخشنة، يلفح ظهري الهواء البارد فأقف بعد سقوط متكرر وكأنها المرة الأولى التي أسير فيها، أجد أخي مستلقياً على كرسيه وفي أذنيه سماعاته وأنا أجفف جسمي بالمنشفة سريعاً أنادي عليه لكي يفتح عينيه ويخلع السماعات من أذنيه، وأروي له ما حدث لي للتو، لكنه لم يجبني.

فجأة يرنّ الهاتف فأستيقظ وأنظر للمتصل إنه أخي يسألنا هل نحتاج شيء أخر للسهرة غير “اللب” والمقرمشات والمشروبات الغازية، لأكتشف أنني كنت أحلم وأن الظلام قد حل، فسهرنا الليل في الشرفة نعد النجوم، شاهدنا احدهما يسقط، فسريعاً ما قلت لأسرتي أن يتمنواْ أُمنية، وكانت أمنيتهم أن يديم الله علينا الصحة والسعادة، والمصيف القادم يكون والدي معنا.

حول كاتب البريد