جريدة مرايا

الحقيقة كما يجب

اسامة حراكي يكتب: في خدمة الفكر وليس بديلاً عنه

إذا أردتم أن تقيسوا مساحة علاقاتكم الإلكترونية، تخيلوا لو انقطعت كل وسائل الاتصالات الإلكترونية في العالم، فكم علاقة ستبقى في محيط واقعنا؟

أصبحت كل حياتنا أجهزة نحرص على عدم نسيانها وشحنها باستمرار وعلى أن تكون أول ما نرى عند الاستيقاظ وأخر ما نلمح قبل النوم، لماذا تجمدنا وابتعدنا عن دفء الحياة إلى هذه الدرجة؟ فأماكننا المفضلة نزورها إلكترونياً، وأقرب أصدقاءنا نحاورهم إلكترونياً، وأفضل كُتابنا نقرأ لهم إلكترونياً.

ففي زمن الفيس بوك وتويتر وانستغرام وفي زحام وهوس البعض بهم، لا يزال هناك فئة قليلة تمر على المواقع كأصدقاء أوفياء، يجرهم الحنين لتفاصيل مدينة ابتلعها الطوفان، ففي اليوم الأول لانتسابي للفيس بوك حرصت على إضافة مجموعة من أرواح أحتفظ لها في ذاكرتي بخلفية جميلة من خلال متابعتي لها من بعيد، فمع الوقت اكتشفت أن الأشياء عن قرب حولت العالم لقرية صغيرة، وليت تويتر ظهر في زمن الأبيض والأسود، لكانت التغريدات مليئة بالحب والحنين وارتاحت قلوبنا من قراءة مشاحنات أهل الدين والفن والسياسة.

فما أحوجنا إلى جدال بناء تستنير به أفكارنا، ويزداد به الحليم حلماً والعاقل فهماً والعالم علماً، فنحن نحتاج لحوار يحترم عقولنا ولا يأتي بمن يكثر الصراخ والشتائم والمكابرة، حوار لا يبحث عن الإثارة فقط، بل يكون ضالته الوعي والمعرفة والحقيقة، فالتويتر والفيسبوك الفضاء الأوسع انتشاراً بين الناس، والمكان الأرحب للبوح والقول والتعبير، ولإثارة القضايا والأسئلة، كما أنهما مجال رحب لاكتشاف مواهب في الكتابة الساعية إلى القول النظيف والحقيقي، تماماً كما انهما مجال رحب لفضح مكنونات نفوس مريضة ومرتبكة وقلقة، كما يتيحان للجميع قول ما يريدون من دون قيد باستثناء قيدهم الأخلاقي الذاتي.

لكن لابديل عن التواصل الإنساني المباشر، فمهما تطورت وتنوعت وسائل التواصل الافتراضية، تبقى مفتقدة لحرارة اللقاء الإنساني وحميمته، فالقرن الماضي بدأ بنهضة أدبية وفكرية عظيمة، وانتهى بالأيديولوجيا والتكنولوجيا التي حلت محل العلوم الإنسانية على كافة الأصعدة، حتى في المدارس والجامعات لم نعد نجد اختصاصات أو اساتذة للمواد الإنسانية، فلا يمكن للحياة أن تستمر من دون الفكر والقيم الإنسانية، فالتكنولوجيا على الرغم من أهميتها، لا يمكن أن تسد هذا النقص وتعوض ما للثقافة والإنسان من قيمة كبرى في الحياة، فهي في خدمة الفكر وليس بديلاً عنه، ونتمنى أن تعود الأمور لطبيعتها بالسعي إلى إعادة القيم والعلوم الإنسانية إلى مكانتها.

حول كاتب البريد