إنقلاب السودان: من هو محمد حمدان دقلو تاجر الإبل الذى أصبح فى صدارة المشهد السياسى فى السودان؟

المشاهدات 364
وقت القراءة:5 دقيقة, 42 ثانية

 

كتب /أيمن بحر

اللواء رضا يعقوب المحلل الاستراتيجي والخير الأمني ومكافحة الإرهاب قبيل يوم من من إعتقال عدد من الوزراء والمسئولين المدنيين فى السودان من بينهم رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، وإعلان رئيس المجلس السيادى الفريق أول عبد الفتاح البرهان حل مجلسى السيادة والوزراء، وفرض حالة الطوارئ فى البلاد، وتعليق العمل بمواد من الوثيقة الدستورية، كان مجلس السيادة، على لسان النائب الأول لرئيسه محمد حمدان دقلو المعروف بـ “حميدتى” يؤكد على دعم عملية الإنتقال الديمقراطية، وصولاً للإنتخابات العامة فى البلاد.
فى 13 أبريل/نيسان عام 2019، رقى الفريق محمد حمدان دقلو الشهير بـ”حميدتى” الى رتبة فريق أول، وتم تعيينه نائباً لرئيس المجلس العسكرى الإنتقالى الذى ترأسه الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، وذلك فى أعقاب عزل الرئيس السودانى عمر البشير فى 11 أبريل/نيسان. جاء ذلك بعد ساعات من إعلان حميدتى رفضه المشاركة فى المجلس، “الى حين الإستجابة لمتطلبات الشعب والبدء فيها”.
وفى 20 أغسطس/آب من نفس العام، تم تشكيل المجلس السيادى لقيادة المرحلة الإنتقالية لمدة 39 شهراً، والذى تكون من 11 عضواً – ستة مدنيين وخمسة عسكريين، وأصبح حميدتى النائب الأول لرئيس المجلس الذى ترأسه البرهان أيضاً.
بدا مسار صعود حميدتى الى مقدمة المشهد السياسى فى السودان غريباً، إذ جاء من خارج المؤسسة العسكرية والأحزاب السياسية التقليدية.
يعد حميدتى أحد العناصر الأساسية التى أطاحت بالرئيس السابق البشير، الذى كان قد قربه منه ودعمه وأضفى الشرعية على الميليشيا القبلية التى كان يقودها، ودمجها فى المؤسسة العسكرية تحت إسم “قوات الدعم السريع”.
ينحدر حميدتى من قبيلة الرزيقات ذات الأصول العربية التى تقطن إقليم دارفور غربى السودان. وقد ترك الدراسة فى عمر مبكر وعمل فى العشرينات من عمره فى تجارة الإبل بين ليبيا ومالى وتشاد بشكل رئيسى، فضلاً عن حماية القوافل التجارية من قطاع الطرق فى مناطق سيطرة قبيلته.
جنى حميدتى ثروة كبيرة من عمله هذا فى التسعينيات، مما مكنه من تشكيل ميليشيا قبلية خاصة به تنافست مع ميلشيات قبلية أخرى، وعند إكتشاف الذهب فى جبل عامر سيطرت ميليشياته على مناجمه.
تبدأ قصة حميدتى فى عام 2003، عندما حشدت حكومة البشير قوات من الرعاة العرب لمحاربة المتمردين الأفارقة فى دارفور، وكانت نواة هذه القوات، التى عرفت لآحقاً بإسم “الجنجويد” مؤلفة من رعاة إبل من عشيرتى المحاميد والماهرية، من قبائل الرزيقات فى شمال دارفور والمناطق المتاخمة لها فى تشاد.
وخلال الحرب الضارية فى دارفور بين عامى 2003-2005، كان قائد الجنجويد الأكثر شهرة والأسوأ سمعة هو موسى هلال، زعيم عشيرة المحاميد. وبرز حميدتى الذى كان يعمل الى جانب هلال، عندما تمكن من توسيع الميليشيا التى يقودها من الماهرية وضم اليها قبائل أخرى، لينافس زعيمه السابق هلال وليستعين به البشير لآحقاً إثر خلاف مع الأخير. وأضفى البشير الشرعية على هذه الميليشيا بتسميتها “قوات الدعم السريع” وفق مرسوم رئاسى أصدره فى عام 2013. وكان قوامها الأساسى مكونا من 5000 عنصر كانوا مسلحين ونشطين قبل ذلك بوقت طويل.
لم يعجب ذلك رئيس أركان الجيش، إذ أراد أن يذهب المال لتعزيز القوات النظامية، لكن البشير كان متخوفاً من وضع الكثير من السلطة فى أيدى جهاز الأمن والمخابرات الوطنى، بعد أن كان قد طرد مديره للتو بتهمة التآمر ضده.
لذا أصبحت قوات الدعم السريع مسئولة أمام البشير نفسه، وقد أعطى البشير لحميدتى لقب “حمايتى”، بمعنى “الذى يحمينى”. وشاركت قوات الدعم السريع فى عدد من النزاعات الإقليمية ومن أبرزها دورها فى القتال ضمن قوات التحالف بقيادة السعودية فى جنوب اليمن وعلى طول سهل تهامة – الذى يشمل مدينة الحديدة الساحلية. كما وفر حميدتى وحدات للمساعدة فى حراسة الحدود السعودية مع اليمن. وأشارت تقارير إلى أن عدد “قوات الدعم السريع” التى يقودها حميدتى وصل الى أكثر 40 الف شخص فى عام 2019.
إشتد التنافس بين حميدتى وهلال عندما إكتُشف الذهب فى جبل عامر فى ولاية شمال دارفور في عام 2012. وجاء ذلك فى اللحظة التى كان فيها السودان يواجه أزمة إقتصادية لأن جنوب السودان قد إنفصل، مستحوذاً على 75 % من نفط البلاد، بدأ الأمر وكأنه هبة من السماء.
وإستولى رجال ميليشيات هلال بالقوة على المنطقة، وقتلوا أكثر من 800 شخص من قبيلة بنى حسين، وباتوا أثرياء عن طريق تعدين الذهب وبيعه.
وبحلول عام 2017، بلغت مبيعات الذهب 40 % من صادرات السودان. وكان حميدتى حريصاً على السيطرة عليها. وكان يمتلك بالفعل بعض المناجم وأنشأ شركة تجارية تعرف بإسم الجُنيد. ولكن عندما تحدى هلال الرئيس البشير مرة أخرى، ومنع الحكومة من الوصول الى مناجم جبل عامر، قامت قوات حميدتي بشن هجوم مضاد.
وفى نوفمبر/ تشرين الثانى 2017، إعتقلت قواته هلال، وإستولت قوات الدعم السريع على مناجم الذهب الأكثر ربحية فى السودان.
أصبح حميدتى بين عشية وضحاها أكبر تجار الذهب فى البلاد – ومن خلال السيطرة على الحدود مع تشاد وليبيا – وهى أكبر قوة حرس حدود لها، وظل هلال قابعا في السجن.
ويقول اليكس دى وال، المدير التنفيذى لمؤسسة السلام العالمية فى كلية فليتشر للقانون والدبلوماسية بجامعة تافتس فى الولايات المتحدة فى مقال كتبه لبى بى سى إن حميدتى “من خلال الذهب ونشاط المرتزقة المعتمد رسمياً، أصبح يتحكم بأكبر “ميزانية سياسية” للسودان، أموال يمكن إنفاقها على الأمن الخاص، أو أى نشاط، دون أى مساءلة”.
وأصبحت شركة الجنيد، التى يديرها أقاربه، “مجموعة ضخمة تغطى الإستثمار والتعدين والنقل وتأجير السيارات والحديد والصلب. وعندما أقيل البشير، كان حميدتى قد أصبح واحداً من أغنى الرجال فى السودان وكان فى قلب شبكة من المحسوبية والصفقات الأمنية السرية”.
إشتد التنافس بين حميدتى وهلال بعد إكتشاف الذهب فى جبل عامر فى ولاية شمال دارفور، فى أعقاب إقالة البشير، بات حميدتى يظهر أسبوعياً فى الأخبار وهو يوزع الأموال على رجال الشرطة لإعادتهم للخدمة فى الشوارع، و للعاملين فى قطاع الكهرباء لإعادتهم الى مواقع عملهم، والمعلمين للعودة الى مدارسهم، أو يوزع السيارات على رؤساء العشائر.
وقد سيطرت قوات الدعم السريع على معسكرات قوة حفظ السلام التابعة للإتحاد الأفريقى التى بدأت فى الإنسحاب من دارفور، قبل أن توقف الأمم المتحدة هذا الإنسحاب.
وقال حميدتى إنه زاد من عديد قوات الدعم السريع المشاركة فى اليمن، ونشر لواء فى ليبيا للقتال الى جانب قوات خليفة حفتر.
وقد إتُهمت قوات الدعم السريع بالإشتراك فيما عرف إعلامياً بـ “مجزرة القيادة العامة” عندما قامت قوات مسلحة قيل إنها تابعة للمجلس العسكرى وقوات الدعم بفض إعتصام سلمى فى 3 يونيو/ حزيران عام 2019، ما أسفر عن مقتل أكثر من 120 شخصاً، والقى العديد من القتلى حينها فى نهر النيل.
ومنذ تعين حميدتى نائباً للبرهان فى المجلس العسكرى، ثم عضواً فى مجلس السيادة الإنتقالى الذى يترأسه البرهان، تظهر تقارير إعلامية بين الحين والآخر تتحدث عن وجود خلافات بين الرجلين. ورغم العديد من البيانات الصادرة عن المجلس للتأكيد على عدم وجود صراع، وتأكيد البرهان نفسه على أن القوات المسلحة (التى يشغل البرهان منصب قائدها العام) وقوات الدعم السريع (بزعامة حميدتى) “على قلب رجل واحد”، ترددت أصداء خلافات بينهما حول عدد من القضايا، من بينها حركة وإنتشار قوات الدعم فى الخرطوم وولايات أخرى، فضلاً عما تردد عن محاولة الدعم السريع عقد صفقات ذات طابع إقتصادى، مع عدد من الشركات الدولية دون علم الدولة. كما تحدثت تقارير إعلامية نقلاً عن مصادر عسكرية عن أن الصراع يتركز بالأساس حول النفوذ الشخصى، أكثر من كونه صراعاً بين القوات المسلحة والدعم السريع. ويستبعد محللون وقوع مواجهة عسكرية بين الطرفين فى حال إحتدام الخلافات بينهما، نظراً لما سيكون لذلك من عواقب كارثية.
ولم يتضح بعد الدور الذى سيلعبه حميدتى فى الساحة السياسية فى السودان بعد خطوة حل المجلس السيادى ومجلس الوزراء وفرض حالة الطوارئ.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

اترك تعليق