أسامة حراكي يكتب: ديناميكية الانحطاط

أسامة حراكي يكتب: ديناميكية الانحطاط

المشاهدات 60
وقت القراءة:2 دقيقة, 46 ثانية

هناك بعض من يصح فيهم القول إن عقولهم أصغر بكثير من مؤخراتهم “أسف جداً لفجاجة التعبير” لكن شتان بين من يكرسه جهده وتعبه ووعيه، ومن لا يجد ما يتميز به عن الآخرين سوى تضاريسه الجسدية أو خفة عقله، والطامة الكبرى تحدث عندما يظن خفيف العقل أنه خفيف الدم.

فلكل زمان دولة ورجال وعصرنا الحالي مليء بالمجالات المختلفة من تقنيات وابتكارات غير مسبوقة، لكن يظل الإنسان أكثر أهمية من كل ما يبتكره، ولئن كان التقدم التكنولوجي دليل على تحضر الشعوب، فإن التزام الإعلاميين وعلو مستواهم المعرفي والثقافي ضرورة لا بد منها للارتقاء بأي مجال، فمن يحترم عقول الناس تحفظه ذاكرة الناس.

ففي البلدان التي يتحكم فيها الأمن يمتهن كثير من القائمين على عمل المؤسسات وظيفة تخدم نظام الحكم أو تغطي عيوبه أو تبرر أفعاله، وفي السنوات الأخيرة لم يعد الأمر فجاً وساذجاً ومباشراً، كأسلوب برامج التوك شو التي تسلط على موضوع ما بريقاً خاصاً لتجعله محطاً للأنظار، بل اعتمدت طريقة أكثر دهاء، فصار لدينا فن متكامل يوجه بؤرة الكاميرا على مكان ويوحي للمشاهد بالتفكير بشيء آخر، أسلوب سهل في الخداع ابتكره في الأصل خبراء ألعاب الخفة وبناه فيما بعد بعض مقدمو تلك البرامح، وأشرف عليه مسؤلو الدولة الذين يرغبون في توجيه رسائل مبطنة، على اعتبار برامج التوك شو من فعاليات المجتمع المؤثرة، وهي وسيلة ذات تأثير على بعض ثقافات المجتمع، بالإضافة إلى عامل آخر وهو أغراض ومصالح أصحاب القنوات التي تنشأ كثيراً لدعم ملاكها، عامل آخر يؤدى لانحطاط الاعلام استثمرت فيه السلطة بطرق متنوعة مباشرة أو مواربة، وأفسحت المجال لقنواتها الموالية بعروض ذات مواصفات متناغمة مع ما تريد، ووجهت أحياناً برامج للحديث في مواضيع ذات مضمون سلطوي صرف.

فهناك برامج يتم التحكم بها، تقدم مادة مقبولة تحقق نسبة مشاهدة ولا تزعج المراقب، تبدوا ذات هامش واسع إلا أنها تتحدث عن السلطة بنغمة مختلفة، تنتقد من غير أن يتعدى النقد الطبقة الرقيقة الخارجية التي تغلف النظام، ولا تتيح المجال للمشاهدين أن يتجاوزوا الصورة المعروضة أمامهم، ليخدع مقدميها الجماهير تحت مظلة شعارات وطنية براقة لكن فارغة من أي مضمون، مقدم برامج قد تمتزج صورته بالموضوع الموجود على الورق، يحافظ على نواته الداخلية ويكمل البناء من حولها دون أن تفقد شخصيته جاذبيتها الجماهيرية، ويعتمد ذلك غالباً على فريق الإعداد أو على المقدم ذاته، فقد يكون نموذجاً مثالياً للنمط الذي تم تشغيله عدداً كبيراً من المرات، وما زال شكلاً ملهماً يمكن البناء عليه، ممكن أن يدوم ويتحسن، ويتم تسمين هذه الصفات طوال الحلقة، ثم تترك له لحظات انفجار تنقلب فيه شخصيته ليصرخ بمقولة ذات مضمون أخلاقي واجتماعي ووطني، وكل التمهيد الذي سبق الصراخ لا شيء فحجم الاستعراض يفوق المادة، ويتعلق الجمهور بمثل هذه الأنماط التي تم اعتمادها بشكل لا يزعج السلطة بل يساندها بديناميكية منحطة، دون أن يعبر عن ذلك بوضوح، وهي الطريقة الأجدى لدعم نظام معروف أنه غير كفؤ على نطاق واسع، فبعض هذه الشخصيات تقف إلى جوار السلطة دون أن تبدي ذلك، وتركز على مسائل معاشية ضيقة أو وقائع فساد فردية، وتحرص بذلك على تبرئة السلطة من تبعات اللوم، متناسين أن للإعلاميين رسالة أياً كانت مرتكزاتهم الثقافية، وهي أن عليهم أن يرفعوا الروح المعنوية عند الناس، وان يجتهدوا في البحث عن سراج النور لإزاحة الظلمة، خاصة حين يكون المجتمع يمر بأسوأ مراحله.

فإلى هؤلاء نقول: احترموا وطنكم ولا تهدموا كياناته بحجة أن خلفها من لا يتفق معكم فكراً أو رأياً أو قضية، أمنحوا للبعض هدنة لاستيعاب متغيرات الزمان وتوقفوا عن السقوط، فإن الأرض امتلأت بهشيمكم وأعيننا برماد مشاهد لا تمت للديمقراطية بصلة، ولا تصنعوا عمالقتكم وتتلاعبوا بأحجامها حتى لا يفزعكم حجم الفراغ حين يسقط منكم عملاق.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %
Share

اترك تعليق