أسامة حراكي يكتب: الأحباء لا يرحلون

المشاهدات 271
وقت القراءة:2 دقيقة, 15 ثانية

 

لا صوت لخطوات الموت ولا موعد، يأتي فجأة ويخطف فجأة ويمضي فجأة، وحين يأتي عنه لا يتأخرون، ولا منا يستأذنون، ينتقي الأغلى والأنقى من بيننا ويمضي بهم، فنقف عاجزين عن كل شيء إلا وداعهم، نرافقهم إلى مأواهم الأخير بخطى مثقلة، نهديهم للقبر بأيدينا، ونمنحهم للتراب رغماً عنا، ونرجع بدونهم ولا شيء ينقص منهم بنا ولا يختفي من أمامنا بعدهم إلا وجوههم، فذكرياتهم تبقى ولا ترحل معهم ولا تغادرنا.

كم من أرواح تأتي الذكريات بهم فنتمزق شوقاً إليهم، لكن لا أجنحة لدينا ولا عنوان لهم، كم من أرواح لا تغادر ذاكرتنا ابداً مهما غادرت، كم من أرواح تعلمنا منها غرس الكلمات البيضاء في زمن لا يثبت على ألوانه، كم من أرواح تركت لنا من الذكرى ما يجعلنا عند الذكرى نبتسم، كم من أرواح شعرنا بالخوف والقلق والانتظار والعذاب بعد غيابها، كم من أروح لا تزال بصماتهم في قلوبنا، كم من أرواح فوق الأرض نسيناها، وأرواح تحت الأرض نتذكرها “البعيد عن العين بعيد عن القلب” وكم من أرواح ابتعدت عن العين لكنها لم تبتعد عن القلب، وكانت تزداد فينا حجماً وقدراً.

فعندما نواري بالتراب أجساداً عزيزة علينا، فنحن نواري جزءاً من اهتمامنا بالحياة، وجزءاً من أرواحنا، كلما توفي شخص نحبه يصبح الأسبوع الأول الذي يمر من دون وجوده صعب، وتمر علينا مناسبات نفتقده فيها بشدة وتمزقنا الذكرى.

في السنوات الأخيرة فقدت ثمانية أعزاء لي رحلوا جميعاً بفارق عام بين كل واحد منهم، زوجة خالي وصديقتي العزيزة التي تصغرني بعامان، ثم أستاذي الأب والصديق أحمد الهوان “البطل جمعة الشوان”، ثم العزيزة الغالية جدتي، ثم أستاذي ومعلمي الشاعر الرائع حلمي سالم، ثم صديقي وأخي الكبير محمد نجيب، ثم الصديق والأخ الصغير المناضل الثوري يوسف زيزو، وصديقي زوج أختي أحمد عمار..

اعتدت كل عيد بزيارة عمار في بيته، حيث كان ينتظر مجيئي أنا وبعض من أفراد العائلة أثناء تواجدهم بمصر للإجازة، لنفطر معه هو وعائلته الصغيرة، وكنت أنا دائماً أول القادمين والمهنئين.. أتذكر كل ذكرياتي الجميلة معهم جميعا، يوسف زيزو الثوري وراسم الجرافيك المبدع.. وصديقي محمد نجيب الذي اتذكره بكل خير فكم وقف بجانبي حين تخلى عني أقرب المقربون.. وجدتي التي كنت التقيها كل عدة أشهر في زيارتها لنا وحديثها الذي يفرحنا المليء بالحنين وذكريات الماضي.. وأستاذي الأب والصديق البطل جمعة الشوان الذي كنت حين أغيب عنه يتصل بي قائلاً: “أنت فين ياض مش بتسأل ليه” فأسرع لبيته كي نتابع احاديثنا التي لا تنتهي.. وأستاذنا الشاعر الرائع حلمي سالم الذي كنت ازوره بين الحين والحين بمكتبه نشرب معاً القهوة ونتناقش بموضيع كثيرة.. لم تعد تقم هذه العادة، فما أكثر العادات التي نتخلى عنها رغماً عنا مع رحيل الأحباء، ثم كانت اخرهم اختي رحمها الله، أسأله عز وجل أن يرحمهم جميعاً وأن يتغمدهم برحمته ويجعلهم من أهل الجنة.. كم من أشياء جميلة رحلت معهم، لكن يبقى عزائنا الوحيد أن هناك موعد حتماً سيجمعنا بهم، وأسأله عز وجل أن يكون اللقاء في الجنة في مستقر رحمته.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

اترك تعليق